صبحي الصالح
76
مباحث في علوم القرآن
أبي بكر : فكان لا بدّ لقبول آية أو آيات من شاهدين ، هما الحفظ والكتابة ، وبهذا فسّر ابن حجر المراد من الشاهدين في قول أبي بكر لعمر وزيد : « اقعدا على باب المسجد ، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب اللّه فاكتباه « 1 » » وهو حديث منقطع أخرجه ابن أبي داود « 2 » من طريق هشام ابن عروة عن أبيه ، لكن رجاله ثقات ، وواضح أن تفسير ابن حجر يلاحظ فيه الاكتفاء بشاهد واحد على الكتابة ، كالشاهد الواحد على الحفظ . وتفسير الجمهور يقوم على ضرورة شاهدين عدلين على الكتابة ، وشاهدين عدلين على الحفظ ، فلا يكتفى بشاهد واحد على كل من الأمرين . ويستدل على ذلك بما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : « قدم عمر ، فقال : من كان تلقى من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا من القرآن فليأت به ، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب ، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان » « 3 » ، قال السخاوي في « جمال القراء » : « المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 4 » » . وكأنّ شذوذ آخر سورة التوبة عن هذه القاعدة بوجودها عند أبي خزيمة وحده ، إنما روعي فيه تواترها لدى الكثير من الصحابة الذين كانوا يستظهرونها حفظا في الصدور : فهذا الاستظهار المتواتر قام مقام شاهدين بأن آخر تلك السورة كتب بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . « وقول زيد : « لم أجدها إلا مع ( أبي ) خزيمة » ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد ، لأن زيدا كان قد سمعها وعلم موضعها . . . وتتبعه للرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم » « 5 » .
--> ( 1 ) الاتقان 1 / 100 . ( 2 ) هو عبد اللّه بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني ، ويكنى أبا بكر ، من كبار حفاظ الحديث . من كتبه : المصاحف ، والمسند ، والسنن ، والتفسير ، والقراءات ، والناسخ والمنسوخ ( الأعلام 4 / 224 ) . ( 3 ) الاتقان 1 / 100 . ( 4 ) الاتقان 1 / 100 . ( 5 ) البرهان 1 / 234 .